قرار تعلم اللغة اليابانية اهدافة وعواقبة بالنسبة للجتمع المصري

الشمس المشرقة في مدارسنا: فرص واعدة وتحديات صامتة
تخيل أن يخرج ابنك من المدرسة ذات صباح ليخبرك أن لغة المستقبل التي ستفتح له أبواب الريادة ليست الإنجليزية أو الفرنسية، بل لغة الساموراي والروبوتات. هذا ما يخطط له قرار وزاري مصري جديد، يضيف اللغة اليابانية كمادة أساسية في مناهج مرحلة معينة من التعليم الأساسي. بين فرص عمل واعدة وتحديات ثقافية وعملية عميقة، يبقى السؤال: هل نعد أبناءنا لعالم متعدد الأقطاب، أم نضيف عبئاً إضافياً على كاهلهم؟
جاء في مسودة القرار الوزاري الأخير أن اللغة اليابانية ستُدرَّج ضمن المواد الأساسية بدءاً من الصف الأول الإعدادي في عدد من المدارس الحكومية والتجريبية، وذلك كنواة لمشروع تجريبي ينطلق في سبتمبر 2026. وفقاً للجدول الزمني المسرب، تنتهي المرحلة الأولى لتجهيز المعلمين بنهاية العام نفسه، على أن يبدأ التعميم الجزئي في سبتمبر 2028، مع تقييم نهائي للمشروع قبل التعميم الكامل المفترض بحلول ديسمبر 2030. يشمل المقترح إنشاء فصول متخصصة تُسمى "نادي اللغة اليابانية" وتوفير مناهج معتمدة من هيئات تعليمية يابانية.
أما المزايا المتوقعة فتبرز على مستويين. بالنسبة للطلاب، هناك سوق عمل واعد يضم أكثر من خمسين شركة يابانية تعمل في مصر في قطاعات السيارات والإلكترونيات والبنية التحتية، حيث يزيد إتقان اليابانية فرص التوظيف فيها بنسبة قد تصل إلى أربعين بالمئة. كما تقدم الحكومة اليابانية سنوياً نحو مائتي منحة دراسية للمصريين المتميزين لغوياً، ناهيك عن الطلب المتزايد على مرشدين سياحيين يتحدثون اليابانية مع تدفق خمسين ألف سائح ياباني إلى مصر سنوياً قبل الجائحة.
بالنسبة للمدرسين، يُحدث القرار وظائف جديدة متخصصة تتطلب آلاف المعلمين المدربين، مع برامج تبادل احترافية للسفر إلى اليابان ترفع الأجور والخبرات، إضافة إلى إمكانية إنشاء مراكز خاصة لتعليم اليابانية للراغبين في المدن الكبرى.
لكن وقبل الحماس، لا بد من نظرة واقعية إلى اليابان نفسها. يبلغ عدد سكان اليابان حالياً نحو مئة وخمسة وعشرين مليون نسمة، وهو في انخفاض مستمر منذ عام 2010 بسبب شيخوخة المجتمع وانخفاض معدلات المواليد إلى 1.3 طفل لكل امرأة، بينما يحتاج المجتمع للاستقرار إلى 2.1. هذه الأزمة السكانية تجعل اليابان تتطلع إلى عمالة أجنبية، لكنها لا تعني بالضرورة ترحيباً ثقافياً بهذه العمالة.
هنا تبرز العواقب. أولاً، صعوبة تقبل اليابانيين للأجانب رغم صورتهم النمطية بالكياسة. أكثر من ستين بالمئة من اليابانيين يعترفون في استطلاعات الرأي أنهم يفضلون عدم وجود جيران أجانب، ويرفض العديد من الملاك تأجير شقق للأجانب حتى لو أتقنوا اللغة. ثقافة العمل اليابانية تستبعد من لا يتبع العادات بدقة، مما قد يؤدي إلى عزلة الطالب أو المعلم المصري المبتعث.
ثانياً، صعوبة العملة وسوء التخطيط. الين الياباني فقد نحو ثلاثين بالمئة من قيمته مقابل الدولار خلال ثلاث سنوات، مما يجعل الادخار به غير آمن. راتب المبتدئين البالغ مئتي ألف ين، أي ما يعادل أربعين ألف جنيه مصري تقريباً، لا يكفي للإيجار والطعام في طوكيو حيث يبلغ إيجار غرفة صغيرة ثمانين ألف ين. بل إن بعض شركات التوظيف تستغل حاجة الطلاب فتعرض عقوداً استغلالية برواتب متدنية وساعات عمل تصل إلى ستين ساعة أسبوعياً.
في المقابل، لم يمر القرار بهدوء على الشارع المصري، إذ فوجئ المراقبون بموجة عارمة من السخرية والاستهجان تعمّ مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام التالية للتسريبات الأولى. تحوّلت منصات فيسبوك وتويتر وتيك توك إلى ساحة مفتوحة للنقد اللاذع، حيث أطلق النشطاء هاشتاجات ساخرة مثل "الياباني في المنهج" و"خلي بالك من البونية"، في إشارة إلى صعوبة نطق الحروف اليابانية. تصدرت المنشورات الكوميدية التي تظهر طالباً مصرياً يحاول رسم حرف "هيراغانا" في فيديوهات مقلدة، وكتب مغردون: "نعاني من اللغة الإنجليزية منذ أربعين عاماً ولم نتقنها، فكيف باليابانية؟" وعلّق آخرون قائلين إن الأجندة التعليمية تائهة بين فرعونية وعربية وإنجليزية، والآن يابانية، دون وجود خطة واضحة لإصلاح الخلل الأساسي في جودة التعليم ذاته.
تجاوزت السخرية حدود الفكاهة إلى انتقاد حاد للقرار باعتباره هروباً من الأزمات الحقيقية، مثل كثافة المناهج، وضعف التدريب، وفجوة الرواتب بين المعلمين والمجالات الأخرى. وأشار مدونون إلى أن الأولوية كانت ينبغي أن تكون لتطوير تعليم الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا باللغة العربية أو الإنجليزية قبل الانطلاق إلى لغة ثالثة لا تتقنها إلا نخبة ضئيلة. ذهب البعض إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن هذا القرار قد يكون بوابة للهجرة غير الشرعية أو العمل الوهمي تحت مسمّى “فرص يابانية”
الخلاصة تمتد بين طرفين. لولي الأمر: القرار يحمل وعداً حقيقياً لأبنائكم لكنه ليس طريقاً وردياً. اليابان بلد منفتح اقتصادياً لكنه مغلق اجتماعياً، وعملتها المتقلبة قد تخيب آمال من يحلم بالثراء السريع. علموا أبناءكم أن اللغة مجرد مفتاح، أما النجاح فيتطلب صبراً وتكيفاً قد يستغرق سنوات.
إضافة مادة دراسية. يجب توفير برامج توعية للطلاب وأسرهم عن واقع الحياة في اليابان، وتوقيع عقود عمل منظمة مع الشركات اليابانية داخل مصر أولاً قبل السفر، وإنشاء صندوق دعم نفسي وقانوني للمبتعثين. وإلا تحول الحلم الكبير إلى سراب كبير.